امان مستعار

الطريق للبيت كان تقيل، وتقيل أوي كمان.
عربيات بتزمر، زحمة بتخنق، وناس بتجري في كل حته… بس ليان كانت ماشية وسط كل ده كأنها في عالم تاني خالص.
لما وصلت قدام باب الشقة، وقفت ثواني. إيدها بالمفاتيح كانت بترتعش، ونفسها مقطوع. بلعت ريقها بالعافية، وحطت المفتاح في القفل ودخلت.
البيت كان هادي… هادي زيادة عن اللزوم، هدوء يسبق الانفجار.
أبوها محمود قاعد على الكنبة في نص الصالة، إيديه محطوطة على بعض ووشه باهت وكأنه كبر عشر سنين في كام ساعة. جنبه أمها نادية قاعدة، عينيها حمرة بتفرك في صوابعها بحركة هيستيرية. وفي زاوية الصالة، كان أخوها كريم قاعد على الكرسي، مش في عادته خالص؛ هادي، وشه شاحب، وشايل ابن أخته مالك على رجله بيحاول يسكت حركته.
أول ما باب الشقة اتقفل، رفعوا عينيهم ليها.
ليان اتجمدت في نص الصالة، الشنطة وقعت من على كتفها على الأرض، وصوتها خرج مخنوق ومكسور:
– إيه اللي حصل؟! في إيه يا جماعة؟ مالكم؟
محمود رفع راسه ببطء شديد، عينيه كانت مليانة انكسار عمرها ما شافته فيه قبل كده. اتكلم بصوت واطي ومبحوح:
– اقعدي يا لولو… تعالي يا بنتي اقعدي.
مشيت رجليها بالعافية، وقعدت قدامهم.
محمود تنهد تنهيدة طويلة كأنها طالعة من قعر روحه، وقال وهو بيحاول يثبت نبرته:
– الشركة… الشركة بتقفل فرع المنطقة اللي شغال فيها.
ليان جمدت مكانها، ونبضات قلبها وقفت لحظة:
– بتقفل؟!
محمود هز رأسه بكسرة:
– أيوه يا بنتي. وهيصفوا العمالة… قدامهم كام يوم وهيقولوا مين هيفضل ومين هيمشي. وأنا… أنا من الناس اللي احتمال كبير أوي يتقال لي خلاص، كبرت ومبقاش لي مكان في الهيكلة الجديدة.
الصمت نزل على الصالة تقيل أوي زي جبل خرسانة. كل المخاوف القديمة رجعت تنهال على ليان مرة واحدة.
نادية لم تعد قادرة على الكتمان، انفجرت في العياط، وصوتها خرج متقطع وهي بتبص لمحمود:
– هنعمل إيه يا محمود؟! هنعمل إيه المرة دي؟! المصاريف بقت ضعف زمان ألف مرة علاجك، وقسط الجامعة بتاع ليان، والدروس بتاعة كريم. ده غير مريم وحسام اللي كل يوم في مشاكل بسبب مصاريف مالك ومصاريف العيشة. إحنا ما نتحملش ضربة تانية يا محمود… والله ما نتحمل
محمود غمض عينيه بقهر وما عرفش يرد، الكلام اتخنق في زوره.
في اللحظة دي، كريم هز راسه بزهول، اتكلم بصوت متوتر وطالع بحدة مكتومة:
– يعني إيه يا بابا؟! طب ومصاريف ثانوية عامة والدروس اللي عليا أنا كدة هضيع إحنا ليه كل ما نطلع خطوة لفوق بنقع عشر خطوات لتحت؟!
نادية صرخت فيه وهي بتمسح دموعها:
– بس يا كريم بس وما تزودهاش على أبوك أنت مش شايف حالته عاملة إزاي؟!
مالك الصغير بص لجدته ولباقي العيلة بعيون واسعة، ودخل راسه في صدر كريم وهو بيهمس بصوت مسموع:
– خالو كريم… هو جدو محمود زعلان ليه؟ هو إحنا مش هنشتري اللعبة؟
كريم ضم مالك بقوة وسكت ودموعه نزلت غصب عنه.
محمود بص لولاده ، ولأول مرة في حياته… تشوف ليان دمعة بتنزل من عين جبلهم المتين. اتكلم بصوت مكسور تماماً:
– أنا آسف يا كريم… آسف يا نادية… أنا آسف يا لولو. أنا حاولت أأمنكم على قد ما أقدر، والله العظيم عملت كل اللي أقدر عليه واشتغلت فوق طاقتي… بس الدنيا مش في إيدي، والظروف كانت أقوى مني.
الدموع جمّدت في عين ليان لما شافت كسرة أبوها. تحركت من مكانها ببطء، وقعدت جنب أبوها على الكنبة. مسكت إيده الناشفة الخشنة اللي شالتهم سنين، وضغطت عليها بقوة.
بصت له وقالت بصوت مرتعش بس ثابت:
– متقلقش يا بابا… متعتذرش أبداً. إحنا هنعديها… زي ما عديناها قبل كده وهنقف على رجلينّا تاني. أنا هشوف أي شغل بجانب دراستي، وكريم هيركز في دروسه، وكلنا هنشيل مع بعض.
محمود بص لها ونزل رأسه في الأرض بإحباط، ونادية غطت وشها بإيديها وهي بتعيط في صمت، وكريم فضلت عينيه معلقة على الأرض وهو بيطبطب على مالك.
ليان فضلت باصة لأبوها وأمها، وهي بتطبطب على إيد محمود… بس وهي بتقوله الجملة دي، كانت عارفة من جواها إن الأمان اللي فضلت طول عمرها بتحلم بيه وبتبني في خيالها سور عشان تحمي نفسها بيه… بدأ يتزحزح ويتكسر من تحت رجليها من جديد، وبطريقة المرة دي… مش هترجع زي الأول أبداً.





