امان مستعار

منذ تلك الليلة القاسية التي وقف فيها خلف باب مكتب أبوه، وسمع بأذنيه كلمات عمه كمال عن “محمود النوحي” وسر حسان المحاسب والمشروع القديم… والشك أكل قلبه.

تراجع سليم بجسده إلى الخلف وأسند رأسه على الكرسي الجلدي، وأغلق عينيه بشدة، بينما كان عقله يطحن الفرضيات في صراع مسموم:

ـ ليه الاختفاء ده فجأة يا ليان؟ هل عرفتِ؟ هل محمود حكى لكِ إن الفلوس اللي بنيت بيها اسمي والمركز ده أصلها طالع من عرق أبوها وكسرته؟ هل بقيتِ شايفاني مجرد امتداد لفساد عيلتي؟

لكن الشك لم يتوقف عند هذا الحد؛ بل امتد ليرسم سيناريو أكثر سوادًا وجرحًا لكبريائه. فتح عينيه فجأة وعيناه تلمعان بنار المهانة والريبة:

ـ ولا… ولا الموضوع كله كان متمثل ومترتب؟ هل وجود حفيد محمود في مركزي بالذات… ودخولك حياتي… والمواقف اللي جمعتنا في الشارع… كل ده ما كانش قدر ولا صدفة؟ هل أبوكِ هو اللي زقّك في طريقي؟ استغلوا شهامتي واهتمامي بيكِ عشان تصيري الطُعم اللي بياخدوا بيه تارهم القديم من عيلة الشافعي؟

فكرة أنه قد يكون مجرد “بيذق” في لعبة انتقام قذرة بين أبوه ومحمود النوحي كانت تجعله يشعر برغبة في تدمير كل شيء حوله. قلبه الذي ذاق لذة حمايتها ودفء عينيها كان يصرخ رافضًا تصديق أنها تخدعه، بينما عقله الصارم يحذره من أن يتغفل.

ضم سليم قبضته بقوة على سطح المكتب، وهمس بنبرة مبحوحة جادة:

ـ لو كنتِ الضحية اللي حبتها… هحميكِ حتى من عيلتي. بس لو طلعتِ السهم اللي أبوكِ أطلقه عشان يكسرني… مش هسكت يا ليان، ومش هسمح لحد يلعب بيا.
——————————
وفي هذه الأثناء، على الجانب الآخر من المدينة…

كانت ليان تجلس في غرفتها، تحتضن هاتفها المغلق، وعيناها محمرتان من كثرة البكاء. لم تكن تختبئ بدافع الخوف فقط، بل كانت تستجمع شتات نفسها كفتاة ذات كبرياء لا تقبل أن تظل مدينة لأحد.

التفتت ليان إلى صديقتها سلمى وقالت بصوت مجهد ولكن فيه ثبات حاسم:

ـ سلمى… أنا مش هفضل مستخبية ولا هسيب ليهم قرش واحد ولا ورقة واحدة. المركز الطبي بعت رسالة بضرورة تسوية ملف مالك المالي واستلام أصل التحاليل… أنا هروح بنفسي.

شخصيتها التي لا تقبل أن تكون مكسورة أو تحمل دينًا لـ “عيلة الشافعي” هي التي دفعتها للوقوف؛ ستذهب لتبين موقفها، وتسدد ما عليها، وتنهي كل خيط يربط أسرتها بهذا الاسم… غير مدركة أن ذهابها هذا سيعيد تقاطعهما في مواجهة حاسمة، حيث ينتظرها سليم بعيون لا تبحث عن الحب فقط، بل تبحث عن الحقيقة: هل هي الضحية أم الخدعة؟
———-
في اسفل المركز الطبي … في الاستقبال الرئيسي، كانت ليان تقف بكبرياء ممزوج بإنهاك شديد، تضم إلى صدرها ملف فحوصات مالك الصغير. لم تأتي هربا ولا شوقا، بل جاءت بعد أن استجمعت شجاعتها إثر رسالة حاسمة من الشؤون المالية بالمركز تطالب بسداد باقي المستحقات وإغلاق الملف رسميًا. جاءت بـ “روح المواجهة” لتسدد ما عليها و تبرئ ذمة أسرتها تمامًا، لتقطع أي فضل لعائلة الشافعي عليهم إلى الأبد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *